الثعالبي
47
لباب الآداب
فيها إلى دَرْك المرام ، كأنه أوحي بالتوفيق إلى صَدره ، وحُبسَ الصَّوابُ بين طبعِه وفكره ، يوجزُ فلا يُخِل ، ويُطنِبُ فلا يُمل ، كأنما جُمع الكلامُ حولَه حتى انتقى منه وانتخب ، وتناول منهُ ما طلَبَ ، وترك بعد ذلك أذناباً لا رؤوساً ، وأجساداً لا نفوساً ، له كلامٌ يشتد مرةً حتى تقول الصخر الأملس ، ويلين تارةً حتى تقول الماء وأسلسُ ، ألفاظُهُ دُرَرٌ ، وأضدادها دُرَرٌ ، كأن الكلام قد سَهُلَتْ له حُزونه ، ولانت متونُه ، وطاعت عيونه ، ودانت له أبكارُه وعُونُهُ . وَصْفُ النَّظْم والنثر معاً نثرٌ كنثر الوردِ ، ونظمٌ كنظم العِقدِ ، نثرٌ كالسِّحر أو أدق ، ونظمَ كالماء أو أرق ، ورسالة كالروضة الأنيقةِ ، وقصيدةٍ كالمخدَّرة الرَّشيقةِ ، رسالة كالروضةِ تقطر ظرفاً ، وقصيدة تمزج بالراح لطفاً ، نثر كالحديقةِ تفتحت أحداقُ وَردها ، ونظمٌ كالخَريدةِ ، تَوَرَّدت أشجارُ خَدِّها نثراً أنسى حلاوةَ الأولادِ بحلاوتهِ ، وطلاوةُ الربيع بطلاوته ، وشعرٌ من حُلَة الشَباب مسروق ، ومن طِيبه الوِصالُ مخلوق . وَصْفُ الشِّعرِ قصيدة ، في فنَها فريدة ، عروس كسوتُها القوافي ، وحِليتها المعاني ، شِعرٌ رَوَيْتُهُ لما رأيتُهُ ، وحفظتُه لما لحظتُه ، شعرٌ مع قُربِ لفظهِ بعيد المرام ، مستمرُ النِّظام ، شعر يختلط بأجزاء النفس لنفاسته ، ويكادُ يُفتن كاتبُه من سَلاسَته ، شِعرٌ هو عين البديع ، يجمع حُسْن التَّصريع ، ولطف التَّرصيع ، كل بيت شعر ، خيرٌ من بيت تِبر . وَصْفُ الشعراء لِلّه دَرّهُ ، ما أحلى شعره ، وأنقى درَّهُ ، وأصفى قَطرهُ ، وأعجب أمرَهُ ، قد أخذ